فخر الدين الرازي
13
شرح عيون الحكمة
الانسان مع عامة الخلق - وهو العلم السياسي - فثبت بهذا : أن العلوم العملية ثلاثة . وأما في « الحكمة المشرقية » فلما جعل العلوم العملية ثلاثة زاد فيها رابعا ، وسماه بعلم تدبير المدينة . وهو علم كيفية ضبط المدينة ورعاية مصالحها . وهذا العلم لا بد منه . لأن الانسان مدنى بالطبع ، فما لم يعرف كيفية بناء المدينة وترتيب أهلها على الدرجات المختلفة والمراتب المتناسبة المؤدية إلى تحصيل المصالح ودفع المفاسد ، فإنه لا يتم المقصود الا به . وعلى الوجه الأول فان هذا العلم جزء من العلم السياسي . * * * قال الشيخ : « ومبدأ هذه الثلاثة : مستفاد من جهة الشريعة الإلهية . وكمالات حدودها تستبين بالشريعة الإلهية وتتصرف فيها بعد
--> - الثرى » وقال هذا الفيلسوف واسمه « ثيوجينوس » لرجل اسمه « كورنوس » : « اننا يا كورنوس عندما نريد خروفا أو حمارا أو حصانا ، فإننا نهتم بمعرفة أصله . لكن الرجل الطيب يقبل زوجة شريرة من بيت وضيع ما دامت غنية . وبذلك تختلط الأصول بسبب الثروة . فلا تعجب اذن يا كورنوس إذا رأيت الخبيث يختلط بالطيب . وكما أن المال يفسد كل شئ ، فكذلك الفقر بسبب الآلام الجسمانية ويدفع إلى العبودية . واعلم يا كورنوس : أنه يحطم الشرف أكثر من أي شئ آخر ، أكثر من الشيخوخة وأكثر من المرض . ولكي تتجنبه لا تتردد في الالقاء بنفسك إلى أعماق البحار أو أسافل الأخاديد . فالموت أفضل من حياة فقيرة تمتلى بالبؤس والشقاء » وهذا الذي حصل من فلاسفة اليونان ، حصل بسبب أن علماء بني إسرائيل تركوا دعوتهم إلى دين موسى عليه السلام . ففي القرآن أنهم أمروا بأن يقولوا للناس جميعا كلاما حسنا . قال تعالى : « وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون الا اللّه وبالوالدين احسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس : حسنا . وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة . ثم توليتم الا قليلا منكم وأنتم معرضون » ( البقرة 83 ) وقد وضحنا هذا في فصل الدعوات العالمية السماوية في كتابنا نقد التوراة أسفار موسى الخمسة - نشر الكليات الأزهرية بالقاهرة .